أبي بكر الكاشاني

121

بدائع الصنائع

عليه الجهاد ابتداء والعبد إذا شهد الوقعة لا يضرب له بسهم الحر بل يرضخ له وما افترقا الا لما ذكرنا وهذا بخلاف العبد إذا شهد الجمعة وصلى أنه يقع فرضا وإن كان لا تجب عليه الجمعة في الابتداء لان منافع العبد مملوكة للمولى والعبد محجور عن التصرف في ملك مولاه نظرا للمولى الا قدر ما استثنى عن ملكه من الصلوات الخمس فإنه مبقى فيها على أصل الحرية لحكمة الله تعالى في ذلك وليس في ذلك كبير ضرر بالمولى لأنها تتأدى بمنافع البدن في ساعات قليلة فيكون فيه نفع العبد من غير ضرر بالمولى فإذا حضر الجمعة وفاتت المنافع بسبب السعي فيعد ذلك الظهر والجمعة سواء فنظر المالك في جواز الجمعة إذ لو لم يجز له ذلك يجب عليه أداء الظهر ثانيا فيزيد الضرر في حق المولى بخلاف الحج والجهاد فإنهما لا يؤديان الا بالمال والنفس في مدة طويلة وفيه ضرر بالمولى بفوات ماله وتعطيل كثير من منافع العبد فلم يجعل مبقى على أصل الحرية في حق هاتين العبادتين ولو قلنا بالجواز عن الفرض إذا وجد من العبد يتبادر العبيد إلى الأداء لكون الحج عبادة مرغوبة وكذا الجهاد فيؤدى إلى الاضرار بالمولى فالشرع حجر عليهم وسد هذا الباب نظرا بالمولى حتى لا يجب الا بملك الزاد والراحلة وملك منافع البدن ولو أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فان مضى على احرامه يكون حجه تطوعا عندنا وعند الشافعي يكون عن حجة الاسلام إذا وقف بعرفة وهو بالغ وهذا بناء على أن من عليه حجة الاسلام إذا نوى النفل يقع عن النفل عندنا وعنده يقع عن الفرض والمسألة تأتى في موضعها إن شاء الله تعالى ولو جدد الاحرام بأن لبى أو نوى حجة الاسلام ووقف بعرفة وطاف طواف الزيارة يكون عن حجة الاسلام بلا خلاف وكذا المجنون إذا أفاق والكافر إذا أسلم قبل الوقوف بعرفة فجدد الاحرام ولو أحرم العبد ثم عتق فأحرم بحجة الاسلام بعد العتق لا يكون ذلك عن حجة الاسلام بخلاف الصبي والمجنون والكافر والفرق أن احرام الكافر والمجنون لم ينعقد أصلا لعدم الأهلية واحرام الصبي العاقل وقع صحيحا لكنه غير لازم لكونه غير مخاطب فكان محتملا للانتقاض فإذا جدد الاحرام بحجة الاسلام انتقض فأما احرام العبد فإنه وقع لازما لكونه أهلا للخطاب فانعقد احرامه تطوعا فلا يصح احرامه الثاني الا بفسخ الأول وانه لا يحتمل الانفساخ ومنها صحة البدن فلا حج على المريض والزمن والمقعد والمفلوج والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه والمحبوس والممنوع من قبل السلطان الجائر عن الخروج إلى الحج لان الله تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج والمراد منها استطاعة التكليف وهي سلامة الأسباب والآلات ومن جملة الأسباب سلامة البدن عن الآفات المانعة عن القيام بما لابد منه في سفر الحج لان الحج عبادة بدنية فلا بد من سلامة البدن ولا سلامة مع المانع وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله عز وجل من استطاع إليه سبيلا ان السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يحجب ولان القرب والعبادات وجبت بحق الشكر لما أنعم الله على المكلف فإذا منع السبب الذي هو النعمة وهو سلامة البدن أو المال كيف يكلف بالشكر ولا نعمة وأما الأعمى فقد ذكر في الأصل عن أبي حنيفة انه لا حج عليه بنفسه وان وجد زاد أو راحلة وقائدا وإنما يجب في ماله إذا كان له مال وروى الحسن عن أبي حنيفة في الأعمى والمقعد والزمن أن عليهم الحج بأنفسهم وقال أبو يوسف ومحمد يجب على الأعمى الحج بنفسه إذا وجد زاد أو راحلة ومن يكفيه مؤنة سفره في خدمته ولا يجب على الزمن والمقعد والمقطوع وجه قولهما ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطاعة فقال هي الزاد والراحلة فسر صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة وللأعمى هذه الاستطاعة فيجب عليه الحج ولان الأعمى يجب عليه الحج بنفسه الا انه لا يهتدى إلى الطريق بنفسه ويهتدى بالقائد فيجب عليه بخلاف الزمن والمقعد ومقطوع اليد والرجل لان هؤلاء لا يقدرون على الأداء بأنفسهم وجه رواية الحسن في الزمن والمقعد انهما يقدران بغيرهما إن كانا لا يقدران بأنفسهما والقدرة بالغير كافية لوجوب الحج كالقدرة بالزاد والراحلة وكذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة وقد وجد وجه رواية الأصل لأبي حنيفة ان الأعمى لا يقدر على أداء الحج بنفسه لأنه لا يهتدى إلى الطريق بنفسه ولا يقدر على ما لابد منه في الطريق